“تحليل الموقف السياسي في السودان: إشكالية السيادة المهددة بين أزمة الدولة الوطنية وتداعيات اللجوء والقصف الحدودي”

بقلم: عاطف محمد أحمد

1. المقدمة ومشكلة الدراسة
تشهد الدولة السودانية منذ 2019 تحولاً بنيوياً في طبيعة السلطة والسيادة، تمثل في انهيار الاحتكار الشرعي للعنف، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وتصاعد تدخلات القوى الإقليمية. وتتمثل مشكلة هذه الورقة في الإجابة على السؤال المحوري: كيف أدى ضعف البنية المؤسية للدولة السودانية إلى تحول سيادتها الإقليمية إلى “سيادة قابلة للاختراق”، وانعكاس ذلك على أمن المواطن داخل وخارج الحدود؟وتركز الورقة على حادثة قصف الحدود المصرية-السودانية المُعلن عنها إعلامياً كنموذج كاشف لهذه الإشكالية.

2. الإطار النظري: مفهوم السيادة في الدول الهشة
اعتمدت الدراسة على مفهوم “الدولة الهشة” لـ Robert Rotberg، والذي يعرّفها بأنها الدولة العاجزة عن توفير 3 وظائف أساسية: الأمن، رفاهية المواطن، والشرعية السياسية.

في الحالة السودانية، نلاحظ اختلالاً في الوظائف الثلاث:
– الأمن: تعدد الجيوش والميليشيات + عدم بسط السيطرة على الحدود البالغ طولها +7200 كم.
– الرفاهية: ارتفاع معدلات الفقر والنزوح الداخلي والخارجي، حيث يقدر عدد اللاجئين السودانيين في دول الجوار بملايين.
– الشرعية: غياب دستور دائم وبرلمان منتخب منذ 2019، مما أضعف التمثيل السياسي والعقد الاجتماعي.

3. تحليل الأبعاد الثلاثة للأزمة

أولاً: البعد الداخلي – أزمة بناء الدولة
1. ازدواجية السلطة: التنافس بين المؤسسة العسكرية والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا خلق “سيادة موزعة” بدل سيادة مركزية موحدة.
2. قانون الطوارئ كآلية حكم: استخدام الطوارئ لتقييد الحريات أنتج شرعية إكراه بدل شرعية رضا، فتآكل العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن وفتح الباب لتلفيق التهم.

ثانياً: البعد الإقليمي – السودان كساحة نفوذ
دول الجوار تتعامل مع السودان وفق منطق “الأمن بالإنابة”. أي دولة تشعر بتهديد حدودي تقوم بتأمين حدودها داخل الأراضي السودانية بدل التنسيق مع مركز ضعيف. قصف الحدود، وبحسب ما تداولته وكالات أنباء عالمية عن سقوط قتلى وجرحى سودانيين، هو تجلٍ لهذا المنطق: فرض قواعد اشتباك جديدة دون الرجوع للسيادة السودانية، لأن مركز القرار السوداني غير قادر على الردع أو التفاوض بندية.

ثالثاً: البعد الإنساني – من مواطن إلى لاجئ
تحول السوداني من “صاحب سيادة” إلى “طالب لجوء” هو المؤشر الأقسى على انهيار العقد الاجتماعي. امتداد خيام اللجوء في مصر، تشاد، جنوب السودان، ليبيا يعكس فشل الدولة في الوظيفة التعاقدية الأساسية: الحماية مقابل الولاء.

4. حادث الحدود كنموذج تحلي
يمكن قراءة الحادثة من 3 زوايا تحليلية:
1. زاوية الردع الاستباقي: استخدام القوة الجوية لمنع تمركز الجماعات المسلحة قرب الحدود.
2. زاوية اختبار الإرادة: قياس عتبة تحمل الدولة السودانية والمجتمع الدولي لأي انتهاك سيادي جديد.
3. زاوية إعادة رسم الخرائط الأمنية: في غياب الدولة، تفرض القوى الإقليمية “أحزمة أمنية” داخل أراضي الجار الضعيف.

5. النتائج والخلاصة
1. ضعف الدولة يسبق انتهاك السيادة: القصف أو التوغل ليس سبباً بل نتيجة لعجز الدولة عن بسط سلطتها واحتكار العنف الشرعي.
2. أزمة اللجوء والسيادة وجهان لعملة واحدة: كل لاجئ سوداني في الخارج هو شهادة على عجز الدولة عن حمايته في الداخل. والأوضاع الراهنة صارت أقسى من فترات الاستعمار، لأن الاستعمار احتل الأرض، أما اليوم فالاحتلال طال الكرامة والقرار والدم.
3. الاستعمار الجديد ليس احتلال أرض بل احتلال قرار: الدول القوية لم تعد تحتاج لاحتلال السودان، يكفيها أن تفرض قواعد أمنها داخله.

التوصية البحثية
لا يمكن معالجة أعراض السيادة المخترقة – قصف، لجوء، تدخل – بمعزل عن علاج المرض: إعادة بناء الدولة الوطنية عبر مشروع توافقي يمنح الحكومة شرعية انتخابية، ويوحد المؤسسة العسكرية، ويبسط سلطة القانون على كامل الإقليم. فطالما بقيت الدولة “هشة”، ستظل حدودها “مفتوحة” وكرامة مواطنها “قابلة للتفاوض.

موضوعات ذات صلة