السلام الإجتماعي مدخل للإستقرار السياسي وبناء دولة المواطنة المتساوية

كتب: الغالي ابراهيم سليمان
لا يمكن لأي دولة أن تحقق إستقراراً سياسياً حقيقياً في ظل مجتمع ممزق بالصراعات والإنقسامات ، فالعلاقة بين السلام الإجتماعي والإستقرار السياسي ليست علاقة تكميلية وإنما علاقة عضوية تجعل أحدهما شرطاً لوجود الآخر ، ولذلك فإن بناء السلام الإجتماعي في السودان ليس موضوع فكري أو شعار سياسي ، بل هو ضرورة وطنية تعتمد عليها وحدة البلاد ومستقبل الأجيال .
تتميز الدولة السودانية بتنوع ثقافي وإثني وديني ولغوي ، وهو تنوع كان من الممكن أن يشكل أساساً لدولة قوية بتعدد ثقافاتها ،إلا أن الأنظمة الصفوية القابضة على السلطة في فترات مختلفة تعاملت معه باعتباره أداة للهيمنة السياسيةبدلاً من إعتباره مصدراً للثراء الوطني. ومن هنا برزت سياسة “فرق تسد” كواحدة من أخطر الأدوات التي استخدمتها نظام الحركة الإسلامية لترسيخ سلطتها على حساب وحدة المجتمع،لقد قامت هذه السياسة على تغذية الإنقسامات القبلية والجهويةوصناعة الولاءات الضيقة ، وإثارة الشكوك بين مكونات الشعب السوداني ، بحيث ينشغل المواطن بمخاصمة جاره بدلاً من مساءلة السلطة عن الفشل والفساد والتهميش، ونتيجة لذلك تراكمت حقد تاريخي واتسعت فجوة الثقة بين أبناء الوطن الواحد ، وتحولت بعض الخلافات الطبيعية إلى صراعات دامية هددت وجود الدولة نفسها.
إن التجارب الإنسانية تؤكد أن الدول لا تنهار بسبب التنوع ، وإنما تنهار بسبب سوء إدارة التنوع ، فالتنوع كان موجوداً في دول كثيرة استطاعت أن تحوله إلى مصدر قوة واستقرار. ففي دولة مثل جنوب أفريقيا ، ورغم الإرث الطويل من التمييز العنصري نجحت القيادة السياسية والمجتمعية في تجاوز الماضي عبر مشروع المصالحة الوطنية الذي قاده نيلسون مانديلا ، واضعةً أسس دولة تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة والتسامح بدلاً من الانتقام.
كما تقدم رواندا مثالاً آخر على قدرة الشعوب على تجاوز الكوارث الكبرى. فبعد واحدة من أبشع الإبادات الجماعية في التاريخ انذاك ، تبنت الدولة سياسات هدفت إلى بناء هوية وطنية جامعة تتجاوز الإنتماءات الضيقة ، مما ساهم في تحقيق قدر كبير من الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
إن الدرس الأساسي الذي تقدمه هذه التجارب هو أن العدالة والمواطنة المتساوية هما الأساس الحقيقي للوحدةالوطنية. فلا يمكن بناء سلام إجتماعي دائم في ظل التهميش أو الإقصاء أو إحتكار السلطة والثروة لمجموعات محددة . كما لا يمكن تحقيق استقرار سياسي في بيئة تنتشر فيها خطابات الكراهية والعنصرية والجهوية.
واليوم نواجه في السودان تحدياً تاريخياً يتمثل في الانتقال من دولة الولاءات الضيقة إلى دولة المواطنة المتساوية ، ومن ثقافة الصراع إلى ثقافة الشراكة الوطنية. ويتطلب ذلك مشروعاً وطنياً شاملاً يعترف بالتنوع ويحترمه ،وهذا كما طرحته حركة/جيش تحرير السودان بقيادة الرفيق عبدالواحد محمد أحمد النور في مشروعها السياسي، ويضمن المشاركة العادلة في السلطة والثروة، ويؤسس لمؤسسات مستقلة تحمي الحقوق والحريات دون تمييز، إنطلاقا بمبادرة الحوار السوداني السوداني التي تستقبل كل القوى السياسية الوطنية والقوى الثورية ومنظمات المجتمع المدني والإتحادات الشبابية والنسوية بإستثناء المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما .
كما أن مسؤولية بناء السلام الاجتماعي لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل تشمل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية. فكل خطاب يدعو إلى الكراهية أو التمييز أو الإقصاء يمثل تهديداً مباشراً لوحدة الوطن السوداني ، بينما يشكل نشر قيم التسامح والحوار والإحترام المتبادل إستثماراً في مستقبل البلاد.
إن السودان لا يحتاج إلى إنتصار فئة على أخرى، ولا إلى هيمنة جهة على جهة، بل يحتاج إلى إنتصار الوطن على الإنقسامات التي كرزته الحكومات الدكتاورية لعقود طويلة.
وعليه ، فإن السلام الإجتماعي ليس مجرد نتيجة للإستقرار السياسي ، وإنما هو مقدمة له وشرط من شروطه الأساسية. وكل مشروع سياسي لا يضع وحدة المجتمع وتماسكه في مقدمة أولوياته ، سيظل عاجزاً عن بناء دولة مستقرة ومجتمع متسامح . أما السودان الذي يتسع لجميع أبنائه ويحتضن تنوعهم في إطار المواطنة المتساوية، فهو السودان القادر على تجاوز أزماته وصناعة مستقبله بيديه.
