الإنسانية في زمن الأزمات: هل ما زال التعاطف ممكنًا؟

بقلم/ ايوب محمد ( مجنق )
في زمن تتزاحم فيه الأزمات على كلّ مائدة، وتصبح الحرب والنزوح والمحن جزءًا من الواقع اليومي، يبرز سؤالٌ إلحاحٌ: هل ما زال التعاطف ممكنًا؟ وهل تحتفظ الإنسانية بقيمتها العملية عندما يصبح البقاء صعبًا، والظروف قاسية، والمستقبل غامضًا؟
الإنسانية ليست شعارًا يُتلى في الخطابات أو يُعلق على أبواب المؤسسات.
إنها فعلٌ عملي، التزامٌ يومي، اختيارٌ أخلاقي يظهر في احترام حقوق الآخرين، في حماية الضعفاء، في الوقوف مع المتضررين عندما تنهار البنى، وعندما يُصبح الإنسان مجرد رقم في قائمة نزوح.
الأزمات تُجيد الاختبار
الحروب والنزوح في السودان منذ سنوات تضع الإنسان في اختبارٍ حقيقي. في الريف والحضر، في دارفور وكردفان، في الخرطوم ومدن أخرى، يُرى كيف تتفكك المجتمعات، كيف يُصبح النازح والمهمش حالةً يومية، كيف يُصبح السؤال عن الطعام والمأوى والسؤال الأهم: هل من تعاطف؟
المساعدة قد تكون مادية، لكن التعاطف هو ما يحولها إلى فعل ذي معنى.
التعاطف هو الذي يُعيد للإنسان كيانَه، ويُحفظ له كرامته.
متى يتراجع التعاطف؟
التعاطف يتراجع عندما تتزاحم الضغوط، عندما يُصبح الفرد منهمكًا في بقائه، عندما يُصبح الخطاب العام استقطابًا وصراعًا. في مثل هذه الحالات، يصبح الإنسان أكثر اهتمامًا بنفسه، وأقل قدرة على رؤية الآخر.
الأخطر هو عندما يصبح التعاطف “خيارًا” وليس “ضرورةً”، كأنه يُمارس في الأوقات الميسورة فقط، ويُترك في الأوقات الصعبة. هنا نتساءل: هل نحتاج إلى إعادة الاعتبار للقيم الإنسانية كما لو أنها مورد نادر؟ هل يجب أن تصبح الإنسانية خيارًا أخلاقيًا صارمًا في عالم متغير، لا مجرد شعور عابر؟
التعاطف كقوة اجتماعية
التعاطف ليس مجرد شعور داخلي، بل هو قوة اجتماعية. هو الذي يجمّع الناس حول هدف، ويبني الثقة، ويُشكّل شبكة من الدعم المتبادل. عندما يُصبح التعاطف قيمة مشتركة، يتحول من فعل فردي إلى التزام جماعي.
في المجتمعات التي تُعاني من النزوح والصراع، يكون التعاطف هو ما يُبقى على قيد الحياة الإنسانية. هو ما يجعل الناس يُقدّمن الطعام، يُوفّرن المأوى، يُستمعون إلى قصص الآخرين، يُعيدون للأخرين كيانهم، ويُحفظ لهم حقوقهم.
في السودان: التعاطف ليس مجرد فعل
في السودان، حيث تعصف الصراع منذ سنوات، يظهر التعاطف في أشكالٍ متعددة: في الأسرة التي تُستقبل النازح، في الجار الذي يُقدّم الطعام، في الشاب الذي يُنقل المصاب، في المرأة التي تُحفظ للطفل طعامه، في المسؤول الذي يُحاول الحفاظ على وظيفة، في الطبيب الذي يُستمر في العمل رغم الخطر.
هنا يصبح التعاطف فعلًا يوميًا، ليس لأنه سهل، بل لأنه ضروري. هو ما يُعيد للإنسانية معناها، هو ما يُبقي على الكرامة الإنسانية حتى في أصعب الأوقات.
هل التعاطف ممكن؟
الإجابة: نعم، التعاطف ممكن. لكنه يحتاج إلى إعادة تأطير الخطاب العام بحيث يركز على الأمل وليس على الصراع، إلى تحقيق المسؤولية المشتركة، إلى بناء شبكات دعم محلية، إلى إعادة الاعتبار للكرامة الإنسانية كقيمة لا تُستثنى في أي ظرف.
الإنسانية في زمن الأزمات ليست شعارًا، بل هي خيار يومي. التعاطف ممكن إذا اخترناه، وإذا جعلناه جزءًا من هويتنا، وليس مجرد فعل عابر.
خاتمة
في زمن الأزمات، يصبح السؤال عن التعاطف سؤالًا عن مصير الإنسانية ذاتها.
هل سنحافظ على قيمنا عندما تتزاحم الصعاب؟ هل سنستمر في رؤية الآخر كإنسان، حتى عندما يُصبح البقاء صعبًا؟
الجواب على هذا السؤال هو ما يُحدد مستقبلنا.
والتعاطف، إذا ما اختاره المجتمع، يكون هو الجسر الذي يُعيد للإنسانية معناها العميق. الإنسانية في زمن الأزمات تتوقف على خيارنا اليومي: هل نرى الآخر كإنسان؟ هل نختار التعاطف؟ هل نحتفظ بالكرامة الإنسانية حتى في أصعب الظروف؟
هذا هو الاختبار الحقيقي. وهذا هو ما يُحدد هل ما زال التعاطف ممكنًا.

موضوعات ذات صلة