في الذكرى الخامسة عشرة لحرب جنوب كردفان: عندما يتحول الوطن إلى رحلة نزوح طويلة

كتبت: هدى ابوه

في السادس من يونيو 2011 اندلعت الحرب في جنوب كردفان، لتفتح فصلًا جديدًا من المعاناة الإنسانية والسياسية في السودان. خمسة عشر عامًا مضت منذ ذلك اليوم، لكن آثار الحرب ما زالت حاضرة في حياة آلاف الأسر التي فقدت أحباءها أو أُجبرت على مغادرة منازلها وقراها بحثًا عن الأمان.

لقد كانت الحرب أكثر من مجرد مواجهة عسكرية؛ فقد مثلت نقطة تحول عميقة في حياة المجتمعات المحلية التي وجدت نفسها بين نيران الصراع، تدفع ثمنًا باهظًا من أمنها واستقرارها ومستقبل أبنائها. نزحت أعداد كبيرة من المواطنين من مناطقهم، وتفرقت الأسر بين المدن والمعسكرات ودول الجوار، بينما حُرم آلاف الأطفال من التعليم، وفقد كثير من المزارعين مصادر رزقهم وأراضيهم التي عاشوا عليها لعقود طويلة.

وفي كل عام تعود هذه الذكرى لتذكرنا بأن الحروب لا تخلّف منتصرين بقدر ما تخلّف ضحايا. فالخسائر لا تُقاس فقط بعدد القتلى والجرحى، وإنما أيضًا بالأحلام التي توقفت، والفرص التي ضاعت، والأجيال التي نشأت في ظل الخوف وعدم الاستقرار.

إن استذكار هذه الذكرى يجب ألا يكون مجرد وقفة للحزن على ما حدث، بل فرصة للتفكير في مستقبل مختلف يقوم على السلام والحوار والعدالة، فالتجارب أثبتت أن الحلول العسكرية لا تستطيع معالجة جذور الأزمات السياسية والاجتماعية وأن بناء السلام المستدام يتطلب الاعتراف بمعاناة المتضررين وإنصاف الضحايا، وتهيئة الظروف التي تضمن عودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم بكرامة وأمان وفي ظل استمرار الأزمات التي يشهدها السودان اليوم، تزداد أهمية استخلاص الدروس من حرب جنوب كردفان وغيرها من النزاعات التي أنهكت البلاد. فالسودانيون يستحقون وطنًا يسوده السلام والاستقرار، وطنًا تُحل فيه الخلافات عبر الحوار والتوافق الوطني، لا عبر البنادق وساحات القتال.

في الذكرى الخامسة عشرة لحرب جنوب كردفان، نترحم على أرواح جميع الضحايا، ونجدد التضامن مع النازحين واللاجئين وكل المتأثرين بالحرب، ونؤكد أن السلام العادل والشامل يظل الطريق الوحيد لبناء سودان آمن ومستقر يتسع لجميع أبنائه.
الرحمة للشهداء، والشفاء للجرحى، والحرية والكرامة للنازحين، والسلام للسودان.
في مثل هذا اليوم، 6 يونيو 2011، بدأت أول رحلة نزوح في حياتي. يوم لم يكن مجرد تاريخ يُكتب في الذاكرة، بل لحظة غيّرت تفاصيل كثيرة في العمر.

خرجنا على أمل أن يكون الغياب قصيرًا، وأن نعود بعد أيام أو أسابيع، لكن الأيام امتدت إلى سنوات، وتحول الحنين إلى جزء من حياتنا اليومية، تركنا خلفنا بيوتًا وأماكن تحمل ذكرياتنا، وحملنا معنا الخوف والأسئلة والأمل بالعودة.

خمسة عشر عامًا مرت منذ ذلك اليوم، وما زالت تفاصيله حاضرة؛ وجوه الراحلين، ودموع الأمهات، وصبر الآباء، وأحلام الأطفال التي كبرت في المنافي ومناطق النزوح. خمسة عشر عامًا تعلمنا خلالها أن النزوح ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل تجربة تترك أثرها في الروح والذاكرة،وما زلنا حتى اليوم قائمين على النزوح واللجوء، بين انتظار العودة ومحاولة التعايش مع واقع لم نكن نختاره، لكنه أصبح جزءًا من حياتنا.

في هذه الذكرى لا أستحضر الألم فقط، بل أستحضر قوة الناس الذين واجهوا الظروف القاسية وتمسكوا بالأمل رغم كل شيء وأؤمن أن حق الإنسان في الأمن والاستقرار والعيش الكريم لا يجب أن يكون حلمًا بعيد المنال.

رحم الله من رحلوا، وحفظ من بقوا، وجعل السلام واقعًا يعيشه أهلنا بعد سنوات طويلة من المعاناة.

موضوعات ذات صلة